عبد العزيز عتيق

22

علم المعاني

وكما يشترط في فصاحة الكلام أن يسلم من التعقيد اللفظي فإنه يشترط فيه كذلك أن يسلم من التعقيد المعنوي ، وهو استعمال الكلمات عند إرادة التعبير عن معنى خاص في غير معانيها الحقيقية ، وبذلك يضطرب التعبير ، ويصعب الوصول إلى المعنى المراد . مثال ذلك قول العباس ابن الأحنف : سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا * وتسكب عيناي الدموع لتجمدا فالمعنى الذي قصد الشاعر التعبير عنه في هذا البيت هو : أطلب وأريد البعد عنكم أيها الأحبة لتقربوا ، إذ من عادة الزمان الإتيان بضد المراد ، فإذا أريد البعد يأتي الزمان بالقرب ، وكذلك أطلب الحزن الذي هو لازم البكاء ليحصل السرور بما هو من عادة الزمان . فالشاعر أراد هنا أن يكني عما يوجبه دوام التلاقي من السرور بالجمود ، لظنه أن الجمود هو خلو العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر . وقد أخطأ الشاعر في مراده إذ جمود العين هو خلوها من الدمع أو بخلها بالدمع الذي هو لازم البكاء عند إرادة البكاء منها ، كقول أبي عطاء يرثى ابن هبيرة : ألا إن عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود إذن فالجمود لا يكون كناية عن السرور بل عن البخل ، وبهذا يكون الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع ، لا إلى ما قصده الشاعر من السرور . فالشاعر ، كما نرى ، استعمل الكلمات في غير معانيها الحقيقية ، أو بعبارة أخرى لم يكن موفقا في اختيار الكلمات المعبرة عن معناه تعبيرا جليا واضحا ، ومن ثم عقد المعنى أو وقع في التعقيد المعنوي الذي أخلّ بفصاحة البيت . ولعلنا أدركنا على ضوء هذا الشرح كيف أن فصاحة الكلام لا تتأتى